أصدرت جيه إل إل تقريرها الجديد حول ديناميكيات أداء السوق العقاري المصري خلال الربع الأول من عام 2026، والذي أشارت فيه إلى أن سوق العقارات في القاهرة يشهد زخماً قوياً في المعروض عبر مختلف القطاعات. ويتركز المعروض الحالي والمنتظر بشكل كبير في القاهرة الجديدة التي تُمثل المركز التجاري الرئيسي للعاصمة المصرية.
ويسلط التقرير الضوء على تطور استراتيجيات التسعير في السوق عقب الانخفاض الطفيف في قيمة الجنيه المصري الذي شهده شهر مارس 2026، وهو ما دفع الملاك والمطورين إلى التكيف مع التحولات المستمرة في الضغوط الاقتصادية. وعلى الرغم من التحديات قصيرة المدى الناجمة عن التوترات الجيوسياسية الراهنة، لا تزال المكانة العالمية المتنامية للقاهرة عاملاً مؤثراً في تشكيل مستقبل مشاريع التطوير الاستراتيجية في القطاعات العقارية الرئيسية.
قال أيمن سامي، رئيس مكتب جيه إل إل مصر، قائلاً: “باتت المرونة الميزة الأبرز التي تمتع بها سوق العقارات في القاهرة خلال الربع الأول من العام الجاري، حيث استجابت مختلف القطاعات بسرعة للتحولات الاقتصادية والجيوسياسية من خلال تبني استراتيجيات التكيف مع ظروف السوق، وإعادة التموضع الاستراتيجي. ومع دخول مخزون جديد كبير إلى السوق، يُجري الملاك والمطورون والمشغلون تحولات في توجهاتهم لتلبية طبيعة الطلب المتغيرة. وتؤكد قدرة السوق على استيعاب ومواكبة هذه التغييرات على ثقة المستثمرين، وتعزز القوة الجوهرية والإمكانات طويلة الأجل لقطاع العقارات في القاهرة”.
وصل مخزون السوق من المساحات المكتبية في القاهرة إلى 2.8 مليون متر مربع، عقب تسليم أكثر من 100 ألف متر مربع من المساحات المكتبية من الفئتين (أ) و(ب) خلال الربع الأول من عام 2026. وقد استحوذت القاهرة الجديدة على ما يقرب من 90% من هذا المخزون، إذ من المقرر تسليم 426,500 متر مربع إضافية خلال هذا العام.
وهيمنت تجديدات العقود على نشاط السوق، مع قيام الملاك برفع نسب الزيادة السنوية. وارتفعت قيم إيجار المساحات الفاخرة والمساحات من الفئة (أ) بنسب متواضعة بلغت 1.8% و2.3% على الترتيب مقارنةً بالعام الماضي. وفي أعقاب انخفاض قيمة الجنيه المصري في مارس الماضي، يعكف الملاك حالياً على إعادة تقييم استراتيجيات التسعير لاسيما للوحدات المقومة بالجنيه المصري. وفي الوقت نفسه، لا يزال متوسط معدل الشواغر مستقراً عند 9%، ما يعكس استمرار الطلب على المساحات الفاخرة والمساحات من الفئة (أ).
ومن الملاحظ أن حلول المساحات المكتبية المرنة أصبحت عاملاً متزايد التأثير في إعادة رسم ملامح السوق، إذ سجلت المساحات المكتبية المرنة نمواً متسارعاً وأداءً لافتاً. وقد صنفت شركة “آي دبليو جي” العالمية مصر كأسرع أسواق المنطقة نمواً، مشيرةً إلى تحقيقها نمواً بنسبة 300% في عام 2025، مع خطط لافتتاح 30 مركزاً إضافياً في عام 2026.
وبالنظر إلى المرحلة القادمة، من المحتمل أن نشهد تراجعاً في حجم المعروض المنتظر على خلفية قدرة السوق الاستيعابية، لاسيما في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي التي تشهدها المنطقة. غير إن الاستقرار الاقتصادي المستدام على المدى المتوسط قد يجذب طلباً دولياً كبيراً من الشركات التي تسعى للتوسع الإقليمي والحد من تركيز المخاطر.
رؤية 2031 تقود الشراكات العالمية في قطاع الضيافة
تمثل الشراكات الاستراتيجية توجهاً رئيسياً في قطاع الضيافة بالقاهرة خلال عام 2026، مدفوعةً برؤية مصر 2031 والطلب على تطوير البنية التحتية السياحية من خلال الاستعانة بمكاتب خبرة دولية. ولا شك أن هذه التحالفات تساهم في تسريع دخول العلامات التجارية العالمية للسوق، وتوسيع نطاق المشروعات السكنية ذات العلامات التجارية والمشاريع المتعددة الاستخدامات، والارتقاء بمعايير الخدمة؛ ما يسهم في استقطاب السياحة عالية القيمة وتعزيز الاستثمار الأجنبي. كما أن إدراج القاهرة ضمن قائمة أفضل 50 مدينة للزيارة في عام 2026 سوف يُعزز من التوقعات المستقبلية الإيجابية.
وشهد القطاع دخول حوالي 280 غرفة جديدة في القاهرة الجديدة خلال الربع الأول من عام 2026، ليرتفع إجمالي المخزون الفندقي بالسوق إلى حوالي 29 ألف غرفة. ومن المتوقع الانتهاء من 2560 غرفة إضافية بحلول نهاية العام، ما يعكس زخماً قوياً في السوق. وأظهرت مؤشرات الأداء الرئيسية ارتفاع معدلات الإشغال بمقدار 1.4 نقطة مئوية مقارنةً بالعام الماضي لتصل إلى 66.1% خلال الفترة حتى نهاية مارس 2026. وفي حين سجل متوسط أسعار الغرف اليومية انخفاضاً طفيفاً بنسبة 0.2% ليصل إلى 155 دولاراً أمريكياً، حققت إيرادات الغرف المتاحة نتائج إيجابية مسجلة زيادة قدرها 1.9% لتصل إلى 102.4 دولاراً أمريكياً.
ومن المتوقع أن تحافظ المرونة التي أظهرتها مصر، جنباً إلى جنب مع استمرار الاستثمارات الحكومية في البنية التحتية، وتطوير الوجهات السياحية، وتحسين تجربة الزوار، على وتيرة النمو نحو تحقيق المستهدفات السياحية لعام 2031 على الرغم من التحديات على المدى القصير المتوقع حدوثها نتيجة التوترات الجيوسياسية.
إعادة التموضع الاستراتيجي ترفع معدلات إقبال المتسوقين إلى أقصى حد
شهد الربع الأول من العام الجاري تسليم حوالي 89 ألف متر مربع من مساحات التجزئة، وأغلب تلك المساحات عبارة عن مراكز تجارية صغيرة الحجم في القاهرة الجديدة والجيزة، ليرتفع إجمالي مخزون السوق إلى أكثر من 3.3 مليون متر مربع. ومن المتوقع دخول مساحات كبيرة تبلغ 331300 متر مربع إلى السوق بحلول نهاية العام، وأغلب تلك المساحات سوف تكون عبارة عن مراكز تجارية صغيرة ضمن مشاريع متعددة الاستخدامات، وعدد قليل من مراكز التسوق الإقليمية الكبرى.
وشهدت إيجارات منافذ التجزئة الممتازة نمواً سنوياً متواضعاً بواقع (1.4%)، بينما سجلت مراكز المستلزمات اليومية نمواً قدره (0.8%)، ومراكز التسوق الإقليمية والكبرى (3.6%). وتظهر الزيادات الإيجارية بوضوح في المراكز التجارية التي تم افتتاحها مؤخراً، إذ يعيد الملاك تقييم استراتيجيات التسعير في أعقاب تعديل سعر الصرف. وقد تباين أداء المستأجرين حسب الشريحة حيث واجهت مراكز منافذ التجزئة المفتوحة تحديات في المبيعات، كما تأثر مشغلو منافذ الأغذية والمشروبات بقرار تحديد مواعيد الإغلاق عند الساعة 9 مساءً. وفي المقابل، حافظت مراكز التسوق الإقليمية الكبرى على معدلات إشغال قوية، حيث انخفض متوسط معدلات الشواغر بها إلى 6% خلال الربع الأول من عام 2026 مقارنة بنسبة 7.2% في الربع الأول من عام 2025.
وبينما لا تزال القوة الشرائية مقيدة بتقلبات سعر العملة والتضخم، يتبنى الملاك والمستأجرون استراتيجيات لإعادة التموضع بهدف رفع معدلات الإقبال إلى حدها الأقصى. فعلى سبيل المثال، قام “داندي مول” بتحديث جاذبيته كوجهة لنمط الحياة العصري من خلال تبني مفهوم “التجزئة التجريبية” وتوسيع خيارات منافذ الأغذية والمشروبات، بينما يطبق “براس مونكي القاهرة” مفهوم “الحياة المزدوجة” الذي يحول المكان إلى مساحة عمل مشتركة نهاراً ومركز ألعاب ترفيهي في المساء.
التحولات التنظيمية تؤثر على سوق الوحدات السكنية
وصل مخزون السوق من الوحدات السكنية في القاهرة إلى 333,500 وحدة، عقب تسليم 8,000 وحدة خلال الربع الأول من عام 2026. ويحافظ المطورون على زخم السوق في ظل تقرب دخول 42 ألف وحدة ضمن المعروض المنتظر لعام 2026.
وشهد السوق الإعلان عن عدد محدود من المشاريع الجديدة والتي اقتصرت في المقام الأول على كبار المطورين أو الشراكات المرموقة، بينما لا يزال المطورون الصغار يواجهون تحديات في التدفقات النقدية. وقد أدت الضغوط المتعلقة بالقدرة الشرائية إلى تباطؤ سوق المبيعات، مما أدى إلى تحقيق السوق الثانوي لمعدلات نمو سنوية من رقم واحد. وفي المقابل، شهد سوق الإيجارات نشاطاً مستقراً حيث سجل نمواً سنوياً بواقع 11.2% في مدينة 6 أكتوبر، و10% في القاهرة الجديدة خلال الفترة من بداية العام حتى نهاية الربع الأول من 2026.