قالت الدكتورة رشا السيد محمد السلاب، دكتوراه في فلسفة الاقتصاد، محلل وخبير اقتصادي، ونائب رئيس الاتحاد الاقتصادي لأحزاب مصر، إن زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى جمهورية مصر العربية تمثل واحدة من أهم محطات إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة، مشيرة إلى أن الزيارة تمثل نقطة تحوّل حقيقية في مسار العلاقات الثنائية، ليس فقط على الصعيد السياسي، بل على المستويات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية.
وأضافت أن توقيت الزيارة يكتسب أهمية خاصة في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وتغير خريطة التحالفات الاقتصادية، وسعي الدول النامية، وفي مقدمتها مصر، إلى تعظيم الاستفادة من الشراكات الإقليمية كأداة رئيسية لدعم النمو والاستقرار الاقتصادي.
أولاً: التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وتركيا
أكدت أن مصر وتركيا تستهدفان رفع حجم التبادل التجاري من نحو 9 مليارات دولار حالياً إلى ما يقرب من 15 مليار دولار خلال السنوات القليلة المقبلة، وهو ما يعكس تحوّلاً استراتيجياً في طبيعة العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
وأوضحت أن هذا التوجه لا يقتصر على زيادة حجم التبادل فقط، بل يهدف إلى تنويع هيكل التجارة البينية، وتعزيز التكامل الصناعي، والتوسع في السلع ذات القيمة المضافة.
وأشارت إلى أن الزيارة أسفرت عن توقيع ما يقرب من 20 اتفاقية ومذكرة تفاهم في عدد من القطاعات الحيوية، أبرزها: الطاقة التقليدية والمتجددة
الصناعة والتصنيع المشترك والنقل والموانئ والصحة والتعليم والتعاون الدفاعي
وأوضحت أن أهمية هذه الاتفاقيات تكمن في كونها اتفاقيات هيكلية طويلة الأجل تستهدف بناء تعاون مؤسسي مستدام، وليس مجرد زيادة التدفقات التجارية قصيرة الأجل لافته إلى أن تركيا تُعد من أبرز المستثمرين الصناعيين في السوق المصرية، حيث تتجاوز استثماراتها عدة مليارات من الدولارات، مع وجود مصانع تركية بالفعل في عدد من المناطق الصناعية، من بينها مدينة العاشر من رمضان، باستثمارات مباشرة تُقدَّر بنحو 110 ملايين دولار.
وتوقعت أن تشهد المرحلة المقبلة: زيادة الاستثمارات التركية في الصناعات التصديرية والتوسع في مجالات الخدمات اللوجستية والطاقة وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة
أوضحت د. رشا السلاب أن التكامل الاقتصادي مع تركيا يفتح المجال أمام: زيادة الصادرات المصرية إلى الأسواق الإقليمية ودمج الشركات المصرية في سلاسل التوريد الإقليمية و تحسين كفاءة الإنتاج وخفض تكلفته وبما ينعكس إيجاباً على معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي.
وأكدت أن التوسع في الاستثمارات التركية داخل مصر يسهم في: تخفيف ضغوط البطالة وزيادة الطلب على العمالة الماهرة ودعم القطاعات الصناعية والخدمية ووهو ما يعزز قدرة الاقتصاد المصري على توليد فرص عمل مستدامة.
وأشارت إلى أن التعاون الصناعي مع تركيا، باعتبارها دولة تمتلك قاعدة صناعية متقدمة نسبياً، يتيح فرصاً حقيقية لـ: نقل التكنولوجيا والمعرفة الفنية
تطوير أساليب الإنتاج ورفع القدرة التنافسية للصناعة المصرية إقليمياً وثالثاً: التأثيرات القطاعية لزيارة أردوغان إلى مصر وقطاع الطاقة.. تعزيز أمن الطاقة وتنويع المصادر
قالت د. رشا السلاب إن التعاون في مجالات الطاقة، خاصة الطاقة المتجددة والغاز الطبيعي، يدعم: تعزيز أمن الطاقة المصري وتنويع مصادر الطاقة
تقليل الاعتماد على الواردات والنقل واللوجستيات.. دعم دور مصر كمركز إقليمي ووأضافت أن تعزيز الربط بين الموانئ المصرية والتركية يسهم في:
ترسيخ مكانة مصر كمركز لوجستي إقليمي ورفع كفاءة التجارة العابرة وتعظيم الاستفادة من الموقع الجغرافي المصري الاستراتيجي والقطاع الدفاعي.. التصنيع المشترك ونقل المعرفة
وأوضحت أن التعاون الدفاعي، في حال إدارته وفق ضوابط واضحة، يمكن أن يفتح المجال أمام: التصنيع المشترك ونقل المعرفة التقنية
دعم الصناعة الوطنية دون الإخلال باعتبارات الأمن القومي و رابعاً: الأبعاد الجيو-اقتصادية والإقليمية للتقارب المصري التركي
أكدت د. رشا السلاب أن زيارة الرئيس التركي إلى القاهرة تأتي في سياق إعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية في الشرق الأوسط وشرق المتوسط، بما يسهم في: تعزيز موقع مصر كفاعل اقتصادي محوري في المنطقة وتوسيع هامش الحركة الاقتصادية والدبلوماسية ورفع القدرة التفاوضية لمصر في الملفات الإقليمية
وأضافت أن الانفتاح الاقتصادي على تركيا يمنح مصر مرونة استراتيجية أعلى في التعامل مع المتغيرات الدولية المتسارعة.
حذّرت د. رشا السلاب من أن زيادة الواردات قد تفرض ضغوطاً على بعض الصناعات الوطنية، ما يستدعي: تبنّي سياسات تجارية ذكية
توفير حماية انتقائية للصناعات الناشئة و ربط الانفتاح التجاري بتحسين القدرة التنافسية المحلية و مخاطر الاعتماد المفرط على الاستثمار الأجنبي
وأوضحت أن الاعتماد المفرط على الاستثمار الأجنبي، رغم أهميته، قد يحمل بعض المخاطر، وهو ما يتطلب دمجه ضمن استراتيجية وطنية واضحة تستهدف: تعظيم المكوّن المحلي ورفع نسبة القيمة المضافة وتوطين التكنولوجيا
وخلصت د. رشا السلاب إلى أن زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر تمثل نقطة تحوّل حقيقية في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وتفتح آفاقاً واسعة لتعزيز التجارة، وجذب الاستثمارات، وتوسيع التعاون في قطاعات استراتيجية، في مقدمتها الطاقة والصناعة والنقل واللوجستيات.
وأكدت أنه في حال إدارة هذا التقارب ضمن رؤية اقتصادية مصرية واضحة، يمكن أن يسهم بفاعلية في دعم النمو الاقتصادي، وخلق فرص عمل مستدامة، وتعزيز استقرار قطاعات الطاقة والصناعة والنقل، وترسيخ الدور الاقتصادي الإقليمي لمصر.