قال صندوق النقد الدولي، إن الاقتصاد العالمي يواصل إظهار مرونة ملحوظة رغم الاضطرابات التجارية الواسعة التي تقودها الولايات المتحدة وارتفاع مستويات عدم اليقين، متوقعًا أن يستقر معدل النمو العالمي عند 3.3% خلال العام الجاري، بزيادة قدرها 0.2 نقطة مئوية مقارنة بتقديرات أكتوبر الماضي.
وأوضح الصندوق، في أحدث تقرير لآفاق الاقتصاد العالمي، أن الولايات المتحدة والصين استحوذتا على معظم التحسن في التوقعات، مشيرًا إلى أن التقديرات الحالية تكاد تكون غير متغيرة مقارنة بالعام الماضي، في إشارة إلى قدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص الصدمة الفورية للتعريفات الجمركية.
وأرجع التقرير هذا الأداء الأقوى من المتوقع إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها تراجع حدة التوترات التجارية، وزيادة التحفيز المالي بأكثر من المتوقع، إلى جانب أوضاع مالية ميسّرة، وقدرة القطاع الخاص على التكيف مع اضطرابات التجارة، فضلًا عن تحسن الأطر والسياسات الاقتصادية، لا سيما في الاقتصادات الناشئة.
وأشار الصندوق إلى أن الطفرة المستمرة في الاستثمار بقطاع تكنولوجيا المعلومات، وخاصة في مجال الذكاء الاصطناعي، تُعد من أبرز محركات هذه المرونة. فعلى الرغم من استمرار ضعف النشاط الصناعي، ارتفعت استثمارات تكنولوجيا المعلومات كنسبة من الناتج الاقتصادي الأميركي إلى أعلى مستوى لها منذ عام 2001، ما وفر دعمًا قويًا لإجمالي استثمارات الأعمال والنشاط الاقتصادي.
ورغم تركّز هذه الطفرة التكنولوجية في الولايات المتحدة، أكد التقرير أنها تُولّد آثارًا إيجابية ممتدة على المستوى العالمي، ولا سيما من خلال دعم صادرات التكنولوجيا في آسيا.
وبالنظر إلى المستقبل، لفت صندوق النقد إلى أن موجة الذكاء الاصطناعي الحالية تحمل مخاطر وفرصًا في آن واحد. فعلى الجانب الإيجابي، قد يبدأ الذكاء الاصطناعي في تحقيق وعوده الإنتاجية، ما قد يرفع النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة والعالم بنحو 0.3% خلال العام الجاري مقارنة بالسيناريو الأساسي.
في المقابل، حذّر التقرير من سيناريوهات سلبية محتملة، أبرزها فشل شركات الذكاء الاصطناعي في تحقيق أرباح تتناسب مع التقييمات المرتفعة لأسهمها، ما قد يؤدي إلى تراجع ثقة المستثمرين. واستشهد الصندوق بسيناريو ورد في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في أكتوبر 2025، تضمن تصحيحًا معتدلًا في تقييمات أسهم الذكاء الاصطناعي مصحوبًا بتشديد الأوضاع المالية، وهو ما يؤدي إلى خفض النمو العالمي بنحو 0.4% عن خط الأساس.
وأشار التقرير إلى أن التداعيات قد تكون أوسع نطاقًا إذا تراجع الاستثمار الحقيقي في القطاعات التكنولوجية بشكل أكثر حدة، ما قد يفرض إعادة توزيع مكلفة لرأس المال والعمالة. ومع ضعف مكاسب الإنتاجية الكلية وتصحيح أكبر في أسواق الأسهم، قد تتفاقم خسائر الناتج العالمي، خاصة في الاقتصادات كثيفة التكنولوجيا مثل الولايات المتحدة وآسيا.
وأضاف الصندوق أن الزيادة المستمرة في ملكية الأجانب للأسهم الأميركية على مدار العقد الماضي تعني أن أي تصحيح حاد في الأسواق قد يتسبب في خسائر ثروة كبيرة خارج الولايات المتحدة، ويضغط على مستويات الاستهلاك، ما يسهم في نقل التباطؤ إلى الاقتصاد العالمي.
وأكد التقرير أن التأثيرات السلبية لن تقتصر على الاقتصادات المتقدمة، إذ ستتأثر أيضًا الاقتصادات ذات الانكشاف المحدود على التكنولوجيا، بما في ذلك العديد من الدول منخفضة الدخل وعالية المديونية، نتيجة تراجع الطلب الخارجي وارتفاع تكاليف الاقتراض الخارجي.