يعود ملف الإيجار القديم إلى صدارة المشهد التشريعي والمجتمعي في مصر، مثيرًا موجة واسعة من الجدل بين الملاّك والمستأجرين، في ظل تقاطع المصالح بين الطرفين وغياب توافق حول مستقبل العلاقة الإيجارية المنظمة بقوانين تعود إلى عشرات السنين. وفي خضم المطالب المتزايدة بإعادة التوازن، أحالت الحكومة إلى مجلس النواب مشروعي قانون جديدين لتنظيم الإيجارات القديمة، ما فجّر نقاشات حادة داخل البرلمان شملت مشادات بين النواب وردودًا رسمية من الوزراء المعنيين.
في جلسة انعقدت يوم الأحد 4 مايو 2025، بدأت لجنة الإسكان والمرافق العامة بمجلس النواب مناقشة مشروعي القانون، بهدف إعادة تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر، وتهيئة الأرضية لتحرير تدريجي للعقود القديمة.
دعا رئيس اللجنة، النائب محمد عطية الفيومي، إلى نقاش موضوعي وهادئ، معتبرًا أن الجلسات ينبغي أن تكون نموذجًا للحوار التشريعي المتزن.
من جانبه، أكد وزير شؤون المجالس النيابية، المستشار محمود فوزي، أن الحكومة قدمت المشروعين استنادًا إلى حكم المحكمة الدستورية العليا الذي أعاد فتح النقاش حول الملف، مشددًا على أن الحكومة لا تسعى لفرض قانون، بل تطرحه للحوار المؤسسي مع السلطة التشريعية.
وفي مداخلة قوية، عبّر النائب مصطفى بكري عن رفضه لصيغة مشروع القانون، واصفًا إياه بأنه “قنبلة ألقتها الحكومة في حجر البرلمان”، محذرًا من أن تمرير القانون بهذه الصيغة قد يؤدي إلى رد فعل شعبي غاضب.
وأكد أن المشروع يتجاهل ظروف ملايين الأسر المستأجرة، مطالبًا بإعادة صياغته بالكامل لتحقيق توازن حقيقي بين المالك والمستأجر، دون المساس بالعدالة الاجتماعية.
بدوره، وجّه النائب أحمد السجيني، رئيس لجنة الإدارة المحلية، نقدًا فنيًا للمشروع، معتبرًا أنه يفتقر إلى دراسات اقتصادية واجتماعية تبرر بنوده، خاصة المادة الخامسة التي تنص على إنهاء العلاقة الإيجارية بعد خمس سنوات.
وأبدى استغرابه من غياب بيانات واضحة في المذكرة الإيضاحية المرفقة، وتساءل عن آليات تنفيذ المادة الثامنة المتعلقة بتوفير سكن بديل، مؤكدًا أن المشروع يحمل صياغات قانونية عامة دون خطة تنفيذ واضحة.
في رد رسمي، شدد المستشار محمود فوزي على أن مشروع القانون يأتي في إطار الامتثال لحكم المحكمة الدستورية، وأن ما يجري هو حوار برلماني طبيعي.
وأوضح أن الحكومة لا تملي قوانين على البرلمان، وإنما تفتح المجال للتشاور ومناقشة الرؤى المختلفة.
من جانبه، أكد وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، المهندس شريف الشربيني، أن الدولة تضع البعد الإنساني والاجتماعي في صلب اعتباراتها، مشيرًا إلى أن “لا أحد سيُترك في الشارع”، وأن هناك تقييمًا جاريًا يشمل نحو 2.5 مليون وحدة إيجارية قديمة، بهدف تحديد المستحقين للتعويض أو الإخلاء، أو توفير سكن بديل لهم.
وأضاف أن فرق عمل حكومية بدأت بالفعل دراسة تطبيق المادة السابعة الخاصة بتوفير البدائل، مؤكدًا أن إنهاء العلاقة الإيجارية لن يتم قبل ضمان سكن بديل مناسب للمستأجرين المتضررين.
مع نهاية الجلسة، بات واضحًا أن المشروع بصيغته الحالية يواجه رفضًا واسعًا داخل البرلمان، حتى النواب المؤيدون لتحرير العلاقة الإيجارية طالبوا بإدخال تعديلات جوهرية، لا سيما فيما يتعلق بمدة الإخلاء، وتحديد آليات توفير البدائل السكنية، وضمانات تعويض المستحقين.
وأكد النائب محمد عطية الفيومي، رئيس اللجنة، أن المناقشات ستتواصل خلال الفترة المقبلة، عبر جلسات استماع موسعة تشمل المختصين والخبراء والمواطنين والجهات التنفيذية، بهدف الوصول إلى صيغة متوازنة وعادلة، تُعرض لاحقًا على الجلسة العامة لمجلس النواب.