رحلة نقابة الصحفيين من الحلم إلى التأسيس وصولا لصرح عملاق فى 4 شارع عبد الخالق ثروت

تشهد اليوم نقابة الصحفيين التجديد النصفى لمجلسها على مقعد النقيب و6 من الأعضاء ونحتفى بها بعيدا عن التنافس والصراعات الانتخابية لأنها تستحق دوما أن تكون موضع احتفاء يُختلف فيها، وهى تقبل الاختلاف؛ إنما لا يُختلَف عليها أبدا.

وتمثل مهنة الصحافة جزء من روح مصر، من هويّتها الضاربة فى جذور الأرض، وتحضّرها الراسخ فى النفوس. إبداع وإمتاع وأمانة تجاه نفسها أوّلا؛ ثم الآخرين جميعًا على قدم المساواة: العدو قبل الحبيب، والبعيد قبل القريب، والعقل والمنطق والضمير فى البدء والمنتهى.

ولذا يجب علينا أن نحتفى بصاحبة الجلالة وبلاطها الفسيح؛ أنها صاحبة العُرس أصلاً، والجميع يتبارون لخدمتها، بغضّ النظر عن أيّة شعارات قد يُلوّنها البعض، أو مُزايدات قد يُفرط فيها آخرون.

نستعيد هنا حكاية النقابة، تاريخها، ظروف النشأة والتأسيس، والطريق إلى صرحها العملاق على منعطف عبد الخالق ثروت، وفى مفترق بين دار القضاء العالى ونقابة المحامين، فصول من سيرة صاحبة الجلالة، تتزامن مع انتخابات التجديد النصفى لمجلس النقابة؛ لكنها لا تُفرّق بين مرشّح وآخر، ولا تختنق بغبار المعارك وتجاوزاتها؛ لهذا ذهبت تفتّش فى الماضى المضىء، على أمل أن تسفر المعمعة عن زملاء يضطلعون بالمسؤولية بحقّها، ويحرسون المهنة وينافحون عن هيبة البيت، قل إنه هروب إلى الوراء إن شئت؛ إنما فى الواقع نعدّه قفزةً بعيدة جدًّا إلى الأمام، على الأقل من جهة تذكير الزملاء الأعزاء مِمَّن سيحوذون ثقة الجمعية العمومية، بما يجب أن يكونوا عليه، وما أنجزه الآباء الكبار، ويفرض علينا جميعًا الدأب والإخلاص، كما يفرض التواضع أيضًا.

ثمانية عقود أو يزيد، قطعتها نقابة الصحفيين مع قرابة 30 ألف يوم من العمل، وعبر ارتحالات لم تتوقف بين الأماكن، بدأت حلما فى خيال الآباء، تجسّد فى شقّة داخل أشهر عمارات القاهرة؛ لكنها ظلّت تحلم بامتلاك مستقرّ يليق بالمهنة العريقة، ويصلح لاحتواء صاحبة الجلالة وسُكناها.

حين نخطو اليوم إلى مبنى نقابة الصحفيين فى 4 شارع عبد الخالق ثروت بوسط القاهرة، قد لا ندرك أن هذا الصرح الذى صار رمزا للحريات الصحفية، لم يأت من فراغ. بل هو ثمرة نضال طويل، وقطعة من حكاية وطن، كتبتها أقلام الصحفيين وشهدت عليها جدران تنقلت من مكان إلى آخر حتى استقرت فى هذا العنوان البهى.

فى عام 1941، وبعد سنوات من السعى، صدر القانون رقم 10 بإنشاء نقابة الصحفيين، وقتها لم يكن هناك مبنى ولا تمويل ولا بنية تحتية، فقط رغبة نقية فى تنظيم المهنة والدفاع عن أصحابها، ووسط هذه البدايات المتواضعة، تنازل محمود أبو الفتح، أول نقيب للصحفيين، عن شقته الخاصة لتكون أول مقر للنقابة.

فى هذه الشقة الواقعة فى عمارة الإيموبيليا الشهيرة، لم تكن هناك مساحات فاخرة ولا قاعات اجتماعات واسعة، لكنها كانت تحمل حرارة البداية، وجلس فيها المؤسسون يخططون للمستقبل، ويؤسسون لجمعية عمومية تُنتخب لأول مرة فى تاريخ الصحافة المصرية.

عندما جاءت لحظة عقد الجمعية العمومية التالية فى عام 1942، لم تعد الشقة تكفى، فاتجه المجلس إلى قاعة نقابة المحامين، وهناك، فى لحظة تأمل بين جلسة وأخرى، لفت نظر الصحفيين قطعة أرض مجاورة عليها خيام للجرحى البريطانيين المصابين فى الحرب العالمية الثانية، وراود الحلم مجلس النقابة: لماذا لا تكون هذه هى أرض مقر النقابة الدائم؟

توجه محمود أبو الفتح فى اليوم التالى إلى الجهات الرسمية يطلب تخصيصها للنقابة، لكنه فوجئ بأنها تحت سيطرة الجيش البريطانى، ورغم عرض الدولة عليهم لاحقا أرضا بديلة فى شارع رمسيس مقابل إزالة سوق الخضر والفاكهة، رفض الصحفيون تمسكًا بحلم ولد فى قلوبهم وسط الحروب.

وفى عام 1944 جاءت فرصة حقيقية من وزير الداخلية فؤاد سراج الدين، الذى أمر بالاستيلاء على مبنى من طابق واحد بشارع قصر النيل وتخصيصه لنقابة الصحفيين.

لم يكن القصر، ولم يكن حلم عبدالخالق ثروت، لكنه كان «مقرا حقيقيا» لأول مرة، احتضن الاجتماعات والندوات، وتحول إلى ناد ثقافى وصالون فكرى، وتم تزويده بمكتبة كبيرة تحتوى على أكثر من 4000 كتاب، ومجموعة قيمة من الصحف والمجلات المحلية والعالمية، وفى هذا المبنى، كُتبت فصول من نضال الصحفيين، وانطلقت منه بيانات هزت الشارع المصرى.

رغم كل هذا، لم تنس الجماعة الصحفية الأرض المجاورة لنقابة المحامين، وظلت الفكرة تعيش فى أوراق المجالس المتعاقبة ومحاضر الاجتماعات، وفى أوائل التسعينيات، كان المناخ العام يشهد انفتاحا نسبيا، ورغبة فى دعم النقابات، فاغتنم إبراهيم نافع الفرصة.

عام 1995، حصل مجلس النقابة على دعم مبدئى من الدولة بقيمة 10 ملايين جنيه لبناء مقر جديد، وبعد عامين فقط، فى «يوم الصحفى» 10 يونيو 1997، وُضع حجر الأساس وسط احتفال كبير، ثم تولى النقيب مكرم محمد أحمد توقيع عقد البناء مع الهيئة الهندسية للقوات المسلحة فى 1998، وافتُتح المبنى الجديد رسميا فى يوليو 2002، وكان أكثر من مجرد مبنى، وأقرب إلى إعلان الانتصار لحلم يدخل عقده السابع.

أضف تعليق